‏إظهار الرسائل ذات التسميات رسائل. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رسائل. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، أغسطس 25، 2020

رسائل | الموالاة والبراءة.. والحكم بإنصافٍ وموضوعية

فيه فرق بين إننا نوالي ونتبرأ في الله من ناس معينة وإننا نقول الحقيقة عموما على الناس دي.

الموالاة والحب أو البراءة والبُغض حاجة، وإننا نكون موضوعيين في تناول الحديث عن الناس حاجة تانية.

الخلط بين الأمرين دول بيضرب المصداقية بتاعة المتكلم في مقتل، وما بيبقاش لكلامه لازمة. والحقيقة إنه الإنسان مش محتاج يبقى غير موضوعي عشان يوالي أو يتبرأ من ناس معينة، لأنه بيوالي ويتبرأ بما تُمليه عليه قيمه اللي عايش بها.. إيه علاقة ده بقى إنه يُقِر بإنصاف ما يراه من إيجابي أو سلبي بخصوص الناس دول.

ففكوا الحزءة دي عادي مفيش مشكلة يعني..

الاثنين، فبراير 24، 2020

آخر ما أكتب ليناير

لا يخدعنَّك العنوان، فإنه قد يوحي لك أني طالما كتبت وكتبت عنها وكأني حفيٌ بها أو خُضت غمار ثورتها أو اعتصمت بين ثائريها في ساحات الميادين، ولكن الحقيقة أن نصيبي من المشاركة في تلك الثورة هو الفضول والاندهاش أكثر من العزيمة والقرار.. لم أعرِّض نفسي للخطر فيها إذا ما ظننت أن احتمال الوقوع في الخطر قائم ولو بنسبة ضئيلة. 

غير أن أصحابي كانوا ممن ينزلون الشوارع فمنهم من كان دائم الحضور في المسيرات ومنهم من كان يبيت مع المعتصمين ومنهم من كان يؤمن بها فكان يكتب وهو مغترب وإن سنحت له الفرصة للرجوع للبلاد فيرجع وينزل مع النازلين.

وبعضٌ من أصحابي كانوا غالبا لا ينزلون مثل حالي، وقد تباين السبب في ذلك.

بالنسبة لي، فلما كان الأمر أمر موت. يعني أن من ينزل يعرِّض حياته حتمًا للخطر خصوصًا في أيام الثورةِ الأولى، فقد كنت أتورَّع عن النزول بثقة لأمريْنِ هامَّيْن:

أولا: أني لا أفهم ما يحدث على الحقيقة. وإن كان ظاهر الأمر أن مظلومين انتفضوا ضد ظالمهم. فحبس الناسَ ظُلمًا وقتل منهم من قتل. ولكن السؤال: متى يخرج الناس على حاكمهم؟ وقد كان هذا الحديث وقتها يُقابل بالاستهجان، ويوصَف من يطرح الفكرة للنقاش بالخضوع والجُبْن. وأنا لا أعرف الجبان من الشجاع. فالكل يتكلم ولا ضابط لذلك. والأقرب لقلبي وقتها هو دعم الثورة، ولكن لا رؤية بعد ذلك. ولا وعي حقيقي بأساس المُشكل. كل ما كان يسيطر على العقول هو الخلاص من الموجود بغرض التغيير. يجب أن نرى وجهًا آخر غير حسني مبارك في سُدَّةِ الحكم وقد كان.

وثانيا: أهلي. والذين إن كنت أخاف على نفسي القتل، فإني أخاف عليهم أكثر الحزنَ عليّ. ولا أطيق تصوُّرَ مشهد حزنِهِم عليّ، خاصةً وإن كان الأمر كما ذكرت في "أولًا" ليس قضية جليَّة الوضوح كجهادِ ضد كافرٍ معتدٍ.

فكنت متابعًا للأحداث متابعةً قريبة، مهتمٌ بالتطورات السياسية ومتابعٌ للأحزاب والاتفاقات والتحالفات والمساومات وغيره.. للساسة مُدَّعي دعم الثورة ولرموز الثوار في الميادين الذين ظهروا في الإعلام دون غيرهم للحديث عنها ولبعض عابري السبيل فيها الذين إما لاقوْا نحبهم أو انتظروا أو بدلوا تبديلا.

وقد خُضت مع من خاضوا وأفتيْت في الأمور السياسية، وقد ساعد في ذلك منصة فيسوبك والتي أعطت لمن يعرف ولمن لا يعرف الحق في الخوضِ في السياسة وإعلان آرائه النيِّرة وليتأثر بها من يتأثر، دون دراسة. ربما عانى السياسيون وقتها معاناة علماء الدين لما رأوْا آراء العوام في تحريك جموع الناس أو تثبيطهم، كما عانينا من آراء المشايخ الذين لا يفهمون في أمور السياسة بتاتا إلا أنه كان عليهم الخوض فيها للتأثير على تابعيهم والذين كوَّنوا ثقافتهم ووعيهم منهم لا من غيرهم. فكانت تجارةٌ بالسياسة وتجارةُ بالدين وتجارةُ بالفقر وتجارةُ بالغنى. انكشف معدن الناس فما صمد إلا القليل. فإن للكلام شهوة كانت في ذروتها في تلك الأيام.

 كان آخر علاقتي بالسياسة قبل الثورة انتخابات مجلس الشعب عام 2005 وانتخابات رئاسة الجمهورية والتي ولأول مرة نُفذت طبقا للتعديلات الدستورية التي أقرَّت انتخابات تعددية على منصب رئيس الجمهورية. قبل ذلك، كان ينتخب مجلس الشعب رئيسا للجمهورية ثُم يُستفتى عليه جموع الشعب فإن وافق الشعب كان بها وإلا فلا. وطبعا لم يحدث منذ قيام الجمهورية أن الشعب رفض رئيسا. في انتخابات مجلس الشعب هذه تحديد علا نجم جماعة الإخوان، ولأول مرة نجح 88 عضوا منهم لنيل مقاعد في البرلمان. في سابقة، وفي انتخابات الرئاسة هذه ترشَّح ضد مبارك أيمن نور - وقد كان وقتها فتى المعارضة الذهبيّ الذي تنسَج على ذكراه الآمال - وترشَّح ضده كذلك رئيس حزب الوفد. شاركت وقتها في تلك الانتخابات واستخرجت بطاقة الانتخابات الحمراء وبصمت لأول مرة وقد كنت أدرس في كلية الهندسة وقتها وقد كان شعورًا لطيفا، فلأول مرة أشعر وكأني أشارك في اتخاذ القرار. وقد كان معلومًا وقتها للمُطلعين أن سر اتجاه التعددية في انتخابات الرئاسة فضلا عن نزاهة انتخابات المرحلة الأولى في مجلس الشعب هو ضعط إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش والأستاذة كوندوليزا رايس على الرئاسة المصرية.. وقتها فاز حسني مبارك بنسبة 88% وكان منافسه في المركز الثاني أيمن نور زعيم حزب الغد ثم رئيس حزب الوفد هذا (المفارقة أني لا أذكر سوى أن اسمه كان جمعة، والمفارقة الأكبر أني وقتها انتخبته هو، وذلك لأني تأثرت بحملات التشويه الممنهجة التي طالت أيمن نور فانتخبت أي اسمِ آخر غير مبارك وأيمن نور، انظر كيف كان الوعي وقتها وكيف كان أسلوب اتخاذ القرار.. حاجة تكسف!). ثم جاءت انتخابات مجلس الشعب عام 2010 والتي تولى إدارتها وحنكتها رجل الأعمال الشاب وصديق جمال مبارك (أو هكذا كانوا يقولون) ورئيس شركات حديد عز وعازف الدرامز بفرقة حسين إمام المهندس أحمد عز الذي علا نجمه بعد أن احتكر توريد حديد التسليح خاصةً بعد ما استحوذ على حديد الدخيلة ثم فصَّل بعدها قانونا لمنع اتهامه بالاحتكار. المهم أن إدارة أحمد عز للانتخابات لم تكن بحكمة وحنكة سلفه الأستاذ كمال الشاذلي المخضرم الذي نال خبرته من إدارة الانتخابات بل وإدارة نقاشات مجلس الشعب بشكل غير رسمي على مدار عقود. كانت تمثل الانتخابات للبعض وكأنها المتنفس الوحيد لشعور الناس بحريتهم في الاختيار حتى لو كانوا يعلمون أنها مسرحية، ولكن ثمة فارق بين مسرحية اجتهِدَ في حبكتها الدرامية وإخراجها وأخرى غرضها عرض النتيجة، والأخيرة هي ما حدث في انتخابات 2010 حيث اكتسح الحزب الوطني لمقاعد المجلس كلها بشكلٍ فجّ مما دلَّ على أن ضغط إدارة أوباما والأستاذة هيلاري كلينتون لم يكن كسلفِه، وكانت الانتخابات بمثابة إعلان حالة الوفاة للسياسة في مصر وكانت أقرب ما يكون لما يجري حاليا فيما يخص إدارة انتخابات مجلس الشعب.. وفي ظني أنها كانت عاملًا كبيرًا من عوامل إشعال شرارة الثورة واتحاد الحركات السياسة وظهور الجبهة الوطنية للتغيير...

كان 25 يناير 2011 يوم ثلاثاء، رجعت للبيت بعد انقضاء يوم عملٍ شاق لأجد رسالة نصية من أحد الأصدقاء تقول: "أوف أح، الشعب عمل الصح". نزلت الجماهير في ذلك اليوم في أعداد كبيرة باغتت أفراد الشرطة بينما لم يتدخل الجيش في أي فض، وعلمنا بسقوط أول شهيدٍ للثورة بمدينة السويس. ثم كانت الدعوات للنزول يوم الجمعة 28 يناير 2011، وقتها تُوُفي والد صديق لي فذهبت لصلاة الجنازة عليه وكانت الخطة أن تكون بعد صلاة الجمعة بمسجد السلام بمدينة نصر. وصلت لصلاة الجمعة بالمسجد وصليت صلوات جنازات ولكني لا أجد صديقي ولا أي من أصدقاء الكلية، وانقطعت الاتصالات وقتها بالكلية فم أدرِ ما أفعل. فلما خرجت من المسجد إذ بتجمهرٍ سريع قد تكوَّن وتعالَت الهتافات وكان الناس ينضمّون إليهم ليزيدَ عددهم، وكان الهتاف الأعلى والأكثر: الشعب يريد إسقاط النظام. وأذكر بوضوح انضمام رجلٍ كبيرٍ في السن للشُبان فكان يصرخ بعزم ما كان يستطيع ولكنه كان يهتف: الشعب يريد إصلاح النظام، لعله كان يسمع الهتاف هكذا أو لعل هذا ما أراده هو لا أدري. وأنا لا أزال في حيرةٍ من أمري ولا أعرف كيف أصل للشباب ولا لأهل الجنازة.. فقلت أذهب إلى بيت الفقيد فلما وصلت قيل لي أنهم ذهبوا لتشييع الجنازة ولا يعرف الرجل أين كانت هي.. فانقطع أملي أن أصلَ إليهم. ولكني وصلت لبعض أقراني في الكلية وعزمت أن أسيرَ معهم نحو المظاهرات، وفي الطريقِ قابلنا صديقٍ لنا أخبرنا أنه كان بالتظاهرات برمسيس وعليه العودة الآن للبيت لضغطِ أهله عليه، ولم أكُن أخبرت أهلي أني أعزم على ذلك ولا أتصوَّر أن أخبرهم بذلك أصلا ولأن اتصالات الهاتف الخلوي منقطعة تعذَّر حتى أن أطمئنهم عليّ، فآثرت الرجوعَ كذلك. ولما رجعت البيت وفتحت التلفاز لأشاهد على الجزيرة مشاهد للثورة في المحلة الكبرى ولبعض مناطق القاهرة، فلما رأيت الناس يهجمون على لافتات حسني مبارك يمزقونها قُذِفَت في قلبي الرهبة ووقتها تيقَّنت أن الأمر ليس هزلا.وقُتِلَ من قُتِل. وقد اطمئننت على أصحابي أن الكل عادَ بيته، ثم كان الترقب لخطاب حسني مبارك والذي كان يأمل الثوار أن يتخلى فيه عن حكمه إلا أنه أعلن فيه عن نيته عدم خوض انتخابات الرئاسة المقبلة وأنه أساسًا لم يكن ينتوي ذلك. كنت ممن رضوا بذلك وقتها - في نفسي - وقلت أن حياة الناس أولى وأن التمادي قد يعرض الناس للخطر ثم أنه لا حاجة للناس في الاستمرار في التصعيد خاصةً وأنه وعد بقبول الطعن في انتخابات البرلمان كذلك، وقد عهدت أن أتحصل على المكاسب الممكنة أفضل من الإصرار على المطلب الأعلى. والحقيقة أنه وقت انفجار المظاهرات لم يطلب الثوار تنحي مبارك بل كانت المطالب هي تغيير الحكومة وحل مجلس الشعب. وكان خطاب حسني مبارك عاطفيًا أثَّر في نفوس البعض، فكثيرٌ من معتصمي التحرير آثروا ترك الاعتصام وبقي جمعٌ آخر من الثوار منهم الإخوان، رفضوا ترك الميدان حتى يتنحى حسني مبارك عن الحكم. ثم كانت موقعة الجمل إذ أزَّ بعض ضعاف النفوس وأصحاب المصالح بعضَ المجرمين أن يهاجموا معتصمي التحرير بالجمال والخرزانات، ولم يتدخل الجيش وقتها لحماية المعتصمين، وصدَّ المعتصمون ذلك الهجوم ببسالة وشجاعة ونُقِلَ ذلك بالصوت والصورة كأنه فيلم وثائقيّ، إنها مصر بلد العجائب! فعاد من كان قد تأثر بخطاب حسني مبارك وتمكَّن المعتصمون من التحرير مرةً ثانية. وصُوِّرَ الأمر وقتها أن حسني مبارك هو من أرسل هؤلاء البلطجية ليجليَ الميدان من المعتصمين، والله أعلم إن كانت تلك هي الحقيقة، فلعل بعض أصحاب المصالح لما رأى أن حسني مبارك سيمنح حق الطعن على انتخابات مجلس الشعب للمتظلمين أراد أن يفسد عليه أواخر أيامه.. ثم كان خطاب اللواء عمر سليمان رئيس المخابرات بتخلي حسني مبارك عن الحكم وتفويض المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شئون البلاد، فرح الناس بهذا النصر، وقد نزلت للكوربة لأشاهد الاحتفالات، ورأيت الناس ينثرون الورود على الدبابات، ويزيح الجيش فوَّهات الدبابات عن الناس إشارةً منه أنه لا يعاديهم وأنه منهم وأنهم منه.. وطاردني شعور هل يحق لي أن أفرح بهذا النصر وإن لم أكن مشاركًا فيه؟ لم أفكر وقتها في شكل الرئيس المقبل، لم يسيطر عليّ سوى الشعور بالفرح الحذِر والترقُب.  لتبدأ هنا حقبة في تاريخ مصر سالت فيها دماءٌ كثيرة وظهرت فيها أحقادُ وأطماع سوداء وتناطحت فيها الأفكار وظهر من تحت الأرض معتقدات عجيبة لم نكن نعلم أنها موجودة أصلا وبغى فيها الظالمون على المستضعفين حتى مهَّدوا السبيل وفرشوا الطريق لما نحن فيه الآن.

رحم الله من مات وأفضى إلى الله سبحانه وتعالى، كأني على قناعة أن ترك هذا الخناق نجا. فقد كانت فتنة الكل يخوضُ فيها وقد يتنازل عما تربَّى عليه من قيم وفضائل لأجل كسب معركة من تلك المعارك الوهمية.

رحم الله من مات، وعلى رأسهم مولانا الشيخ عماد عفت. ولم أحظَ بالتعلُّمِ على يديه، ولكني رأيت وأرى الآن من كان لهم الشرف في ذلك. وحين أقرأ عنه وعن مناقبه رحمه الله يتسلل إلى قلبي أن مثل هذا لم يكن ليعيش مثل أيامنا هذه. فسبحان الله مُدبِّر الأمر.

إن ما نراه من إرهاق لمن هم في مثل أعمارنا لعله من آثار تلك الأيام، أو قُل أن الناس أيقنوا أن الكلام لا طائل منه طالما أن القوة الحاكمة في النهاية ستمضي إلى حيث ترسم أو قل رُسِم لها، ونحن ليس لنا إلا ننتظر ونجتهد في الممكن أو نسافر.

وقد ارتحل كثيرون من أصحابي لخارج البلاد آملين في عيشة سوية. ولا أظنَّهُم لاقوْا الصفاء النفسي الذي نشدوه بسفرهم، فإن النفوس مقهورة. لا نزال نرى بعضًا منهم يذكرون تلك الأيام أو يتابعون ما يجري في البلاد في غيابهم والآخرون غالبا يساورهم نفس الشعور إلا أنهم آثروا السكوت. يكاد يستحيل على المرء أن يفصلَ نفسه عما يجري أو أن يفصل مشاعره تجاهه بمجرد تركه للبلاد. 

وقد سبق من قبل أيام مبارك ارتحل الكثيرون لما رأوْا أن الحياة في مصر لا مستقبل فيها وأن الظلم كبير، فلما رأوْا في الثورةِ أمل عادوا. وهذا يدل لي أنهم تركوها بأجسادهم فقط ولكن وجدانهم ومشاعرهم ظلت هنا.

حسنًا، وماذا كان ينتظر البعض؟ إن مصر العظيمة لم تُحكم حقيقةً سوى بسيطرة الجيش. إن نموذج مصر السياسي قائم على جيش مُتمكِّن من أصول وفروع الحكم فيها، ما دون ذلك من أحزاب وخلافه كانت أمور هامشية للغاية. ووصف عصر الملكية حيث كانت الأحزاب والبرلمان والصحف الحرة بالنموذج الديمقراطي لمصر في الحكم في رأيي باطل، لأنه وقتها القوة الحقيقة كانت في يد الإنجليزي المحتل والذي كان يسيطر في نهاية الأمر بالجيش كذلك، ولما انجلى الانجليز حلَّ محلَّهم الضباط المصريون فلا فرق إذًا. ولما قامت الثورة وانتُخب مرسي رئيسا لم يُمكَّن الرجل من أصول وفروع الحكم والدليل أنه لما قامت 30 يونيو وجاء وقت إزاحته من كرسي الحكم في 3 يوليو لم يكُن الأمر عسيرًا على الإطلاق. فقط تم حجزه وإعلان البيان وانتهى الأمر، وظهرت قوة الجيش في تطبيق حظر التجوال والسيطرة على مقاليد الأمور حتى رأى الجيش ضرورة وجود رئيس من خلفية دستورية للحكم أثناء الفترة الانتقالية، والكل يعرف أن ذلك الرئيس المؤقت - عدلي منصور - كان رمزيا أو قُل بغرض تسيير الأعمال ليس إلا.. وعليه فإن الحكم الأساس في مصر هو حكم الجيش، ولا أتصوَّر في الوقت الراهن نموذجا غير هذا. ليس هذا تأييدًا لما يجري أو اعترافًا بأن هذا هو الأنسب والأصلح، ولكن هذا - حاليا - هو الواقع. 

افتقدنا في تلك الفترة الكبير الذي يوجّه بالحكمة والعلم والخبرة. ولما ظهر أمثالهم كانوا يُشوَّهون إما من إعلام الدولة الرسمي والخاص وإما من بعض المنتفعين. والسهل عندنا في مصر هو إبطال وإسقاط الفرص والكيانات الناجحة لا دعمها. مصلحة القوي الخاصة فقط هي ما تتحكم في الأمور لا الصالح العام ولا حتى مصالح المنتفعين المشتركة. بل هو طرف واحد قوي يطغى على الكل بسلطانه وإرهابه لهم وفي النهاية رؤيته هي التي تُنفذ ويسعى المنتفعون لتوفيق أوضاع مصالحهم بحسب هذه الرؤية.

لقد كانت أياما عسيرة، ابتُلينا فيها.. وقد كان منا فيها ما أراد الله سبحانه وتعالى. فنسأل الله تعالى أن يسامحنا على أخطائنا ولغونا وفسادنا وأن يرحمنا برحمته في الآخرة.

لطالما كان يلك الساسة وقت الثورة بمصطلح: "الخروج الآمن" وكانوا يقصدون به فكرة أن يخرج القائمون على الدولة وقت الثورة خروجًا آمنًا يليق بكونهم كانوا قادة في وقت من الأوقات فلا يُحاكمون ولا يُهانون.. أما والله إني لأقلِّد شيخنا الفاضل أنس السلطان في طلبي لهذا، خروجًا آمنًا من هذه الدنيا وما فيها، فتصورُّ أن كل هذا الدم والفساد والتناطح على لعاعةٍ لا تسوي عند اللهِ شيئا يجعل العاقل يعيد التفكير في أمره، وما عليه أن يجتهد فيه في الأيام التي يعيشها في هذه الرحلة القصيرة.

والحمد لله رب العالمين.

السبت، مايو 05، 2018

كم من فرصٍ للتعلُمِ ضاعت!

الحمد لله.

حين أسترجع ذكريات التعليم في المدرسة وكلية الهندسة، لا يغيب عن ذهني شعور الندم أو قل الحسرة على الفترة التي تلقيت فيها تلك العلوم دون وعي حقيقي بالهدف منها أو بتطبيقها في الحياة العملية.

أذكر بعض المواد التي كان يمكن الاهتمام بتفاصيل أسلوب إلقائها على الطلاب، وتوعيتهم بالهدف الأخير لدراستها.. اعكس ذلك عليّ وربما على غيري من الطلاب، فأقول أنه حتما إن اهتم الأستاذ أو بالأساس مصمم المنهج أن يصل الطالب تطبيق هذه المادة عمليا والهدف منها، لتغير دافع الطالب للاهتمام بها وتحصيلها، بدلا من الوضع السائد والذي يقتضي اجتهاد الطالب فقط ان يعرف ما يجمع به الدرجات في امتحانها، شتّان ما ببن الحالين.

وأتحسر أكثر حين أنظر في تلك التفاصيل المطلوبة لكل مادة لإفهام طالب العلم الهدف منها ولجعله مطلعا على تطبيقاتها المختلفة ولإدراكه لماذا يدرس هذا العلم تحديدا، أجد ان تلك التفاصيل لا تحتاج إمكانيات مادية فوق المعتاد.. فقط تحتاج لمجموعة من أساتذة هذا العلم وغيرهم من خبراء التدريس أن يعكفوا جاهدين على تصميم هذا المنهج بالشكل المطلوب، والذي يهتم بالأساس على إجابة السؤال: "لماذا؟" في كل وقت.. وأن يكونوا مخلصين في ذلك، وأن يضعوا أنفسهم مكان هؤلاء الطلاب المساكين لينظروا كيف سيكون الحال إذا ما تغيرت الأساليب لتكون أقرب للعملية والحياة الحقيقية..

لماذا نرضى بمشاهدة الأجيال المتعاقبة وهي تخرج من نظامنا التعليمي الأسطوري ظانّة أنها ستسوي الهوايل في الحياة العملية بالسوق ثم تُصدم بالحقيقة المُرة وهي أن البوْن شاسعٌ بين خيال المواد النظرية القاصر والواقع السوقي العنيف بالخارج؟

الأحد، نوفمبر 19، 2017

الحمد لله الواحد الأحد!

سبحان الله العظيم، تبارك اسمه وجل شأنه. لك الحمد يا رب العالمين أنك ربنا، اللهم اهدنا واهد بنا وثبت على الحق قلوبنا.

كل ما سوى الله ناقص، مفتقر، محتاج لغيره.  تفرد الله العظيم بصفة الكمال والبهاء، وخلق خلقه متباينين في الصفات.. فترى الأسمر والأشقر، والطويل والقصير، والبدين والنحيف، وهادي الطبع والعصبي، والحسن والقبيح، وصاحب الذوق الرفيع وضعيف البصيرة.. وكلهم بشر. وتباينت ألسنتهم وأعراقهم وطباعهم.. وكلهم بشر. لو كانت ماكينة أو قوة عملاقة فانية هي من خلق هذا الخلق لخلقتهم على شاكلة واحدة متكررة، لأنها نتاج تفاعل طبيعي حتما سينتج في كل مرة ذات النتيجة. ولكنك تجد السليم والعليل، فالعليل يبين لك أن وجود السليم إعجاز، والعليل يبين لك أن وجود السليم إعجاز. بديع خلق الله يعجز الخلق أجمع به فلا يستطيعون مقاربته.

أي صدفة تخلق تقلب المشاعر، من حب إلى بغض.. ومن فرحة إلى كآبة.. ومن استبشار إلى هم.. ومن كسل ووخم إلى همة وعزيمة. يخلق في الصبي الصغير مشاعر الفرحة العارمة والضجر العميق.

إن التغير والتباين والتنوع في خلق الله لهو من بديع إعجاز الله تبارك وتعالى، ودليل والله على كونه الواحد الأحد في هذا الكون. إذ لزم أن تفتقر كل هذه المخلوقات الفانية إلى خالق واحد مطلق أزلي لا يتغير..

الحمد لله.

الأربعاء، ديسمبر 14، 2016

أساس المأساة.. #حلب #سوريا #العالم


 إزهاق الأنفس وسلب الحياة هو بلا شك أقسى ابتلاء لذوي المقتولين، ولا أرى ما هو أصعب على الإنسان تحمله من قتل ذويه أو إيذاؤهم. لذا، فإنه من الطبيعي أن ما يجري في بلادنا كلها على مدار سنين طوال أن يجلب علينا الحزن والشعور بالمأساة.

ولكن الجانب الأكبر من المأساة - في نظري - هو الأسباب الدنيوية التي دعت لمثل هذه النتائج. فإن ما نعيشه الآن ما هو إلا محصلة طبيعية لتراكمات من الخسارة والخيانة والظلم والتفرق والفشل والجهل على مدار عقود طويلة من الزمن. وبالتالي، فإن الوقوف عند الحالة الحالية مما نحن فيه هو محض قصور نظر أو قل تغافل عن أساس المأساة.

لقد عاش المسلمون سنينا طويلة من الفرقة والتشرذم وحب الدنيا والتعلق بها وقهر للضعفاء وشراسة لأصحاب النفوذ والقوة، أحيل ذلك بقدر لا بأس به إلى بعدهم من المنهج الرباني الذي ارتضاه الله لهم. ولا أريد  بذلك أن أعيد وأكرر بكائيات على المجد الزائل.. ووقت أن كنا وكانوا.. ومثل ذلك من الخطاب، الذي لا يؤدي إلا للتحسُرِ والندم، والبكاء الذي لا طائل منه. وإنما أريد فقط أن أقرر هنا، أن السبب الأعظم لتعاسة البشرية وبالأخص المقهورين من المسلمين منهم هو البعد عن منهج تزكية النفس القويم الذي أنعم الله به علينا، ثم تأتي من بعد ذلك الأسباب العملية المتعلقة بسوء إدارة الأمور، والخيانات، والطغيان، والظلم، والجهل، ومثل ذلك..

---

ما الواقع الآن؟

الواقع مرير، أراضٍ محتلة. حكام طغاة. جهلٌ مُطبق. أمة لا تملك قرارها. يتسابقون أيهم يفوز برضا الغرب المنتصر. ولاة أمور إما مرضيٌ عنهم من الغرب المنتصر أو هم عملاء خونة من أساس الموضوع. بشر يُقتلون. لا ثمن لدماء المسلمين ولكن دماء الغرب المنتصر غالية. نقتل بعضُنا بعضا والأسوأ من ذلك أننا صِرنا نستسيغ ذلك..

الشعوب مُنقادة لما يُراد لها أن تنقاد إليه، ابتلوا بالجدل إلى أقصى حد. نسوا أنهم هنا في هذه الدنيا ليفعلوا ويكسروا العادات، بل انصاعوا لما هو موجود وركنوا إليه. ومن منهم لديه بعض الإحساس، آثرَ البكاء على ما يحدث آملًا بذلك ألا ينسى شاعريَّته. إلا قليلُ منهم، فالخير في أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم الدين.

والجانب المظلم من المأساة، هو من يظن أنه بكتابة كلمات لا يراها إلا هو ومن حوله من الأصدقاء والمعارف حول ما يجري من أحداث أنه بذلك انتصر للقضية، وفعل ما عليه بها. والأظلم في هذا الأمر، أن تتسع تلك الشريحة بشكل كبير، فيصبح وكأنه لا يحدث سواء البكاء على ما يجري. فتجد أنه فعليًا لا ينتصر أحدٌ للقضية، إلا القليل. والقليل مُحارَب بضراوة وشراسة شديدة من أصحاب المصالح، ومع الوقت يزداد الأمر عليه صعوبة أكثر فأكثر. وييْأس من "القليل" أعداد أكثر فأكثر. حتى يعود ذلك المحارِب الذي يريد أن يؤثرَ بقوة فيما يجري من أحداث غريبا، لا أحد يستسيغ تواجده أصلا. وكأن الجهاد انحسر في جهاد البكائيات واللطم، وصار من يريد أن يغير بقوة في الأرض ويجتهد في ذلك كمن يحفر بالماء. حتى تجد أن أنصار البكاء واستجداء العالم ينكرون على من يعمل ويجتهد فيما يراه مؤثرًا ما يفعل، فيقولون موالٍ، أو صامت، أو جاهل.

ومن هنا، فإن المشكلة بوضوح منا نحن. من داخلنا. لا من العدو. من انعدام بوصلة التحرُك الحقيقي.

---

دعك مما نعيشه الآن، وتخيَّل لو أن الواقع كان كما يلي:

الأمة تتعرض لهجمات العدو الواحدة بعد الأخرى، ويتولى عليها إما طغاه مستبدين أو خونة عملاء للعدو، ولكن قطاعا واسعا من شعوب هذه الأمة مرتبطٌ بالله سبحانه وتعالى ومؤمنٌ به وقد أخذ قسطًا من التعلُمِ والتربية والفِكر فعرف ما يجب عليه فعله ليقلب طاولة العالم رأسًا على عقب فينتزع زمام الأمور مرةً ثانية. لا ييأس. لا ينظر للنتيجة. يعرف أن الأمرَ سيستغرق سنوات طوال. لا يلتفت للجدل الذي لا فائدة منه. لا يبكي على الحال وفقط. يعي ما يحدث حوله من الأمور.

ترى إن كان ذلك حاصلًا، ما استطاع أن يتولى أمرهم من يفسد عليهم دُنياهم.

ما هذه المثالية؟ تتحدث وكأن الأمر أسهل من السهولة..

لا طبعًا، هو ليس أسهل من السهولة على الإطلاق - وإن كان الله على كل شئٍ قدير - ولكن المُراد مما أقول هنا ليس تهوين الأمر على الناس وتخديرهم و/أو تصوير القصة وكأنها 1+1=2. لا. بل إن الأمر يحتاج التأسي بالنهج النبوي فيصير الجهد، والإخلاص، والتضحية، والصبر، وعدم الاستعجال، ومعية الله سبحانه في الضراء والسراء، والتواصي بالحق وبالتواصي بالصبر، وغير ذلك.. بل لأن الأمر بهذه الصعوبة، فإننا نستسهل الخوض في الجدال ومعارك شبكات التواصل الاجتماعي واللغو فيها وبذل فيها كل الطاقات بدلًا من الانشغال بما ينفع حقا.

---

عن أبي عبد الله خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا:

ألا تستنصر لنا؟!
ألا تدعو لنا؟! 

فقال : "قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه والله ليتمنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون". رواه البخاري.

هؤلاء كانوا صحابة، وكانوا يُعذبون لأنهم أسلموا! وما صدَّهم فعل الكفار عن دينهم أبدًا، ولم ييأسوا.. فقط قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا تستنصر لنا؟! ألا تدعو لنا؟! فما كان من نبي الله إلا أن أخبرهم أنه سبقهم من أوذوا في الله أكثر مما أوذوا، فما كان منهم إلا الصبر على البلاء والمُضي كما شرَّع الله لهم.

---

والحق سينتصر حتمًا، بك أو من غيرك. سواء انتسبت لذلك أم أعرضت ويأست. فأولى بك أن تنظر في أمرِك، ماذا عليك فعله كي تنجو من هذه الدنيا؟!

إن من أكثر ما نحتاجه فعلا في مثل هذه الأيام هو الهرع لسنة نبي الله صلى الله عليه وسلم، ونرى كيف كان يفعل، بكل التفاصيل.. نتأسى به بحق، لا بالكلام وكثرة التجارة به. صلى الله عليه وسلم، أشرف الخلق وأعظمهم.

---

علينا النظر، ما المُتاح الآن فعله.. وإني على قناعة تامة أن كل شخص يمكنه أن يخرج بغير ما يخرج به أخوه مما يمكننا عمله للتأثير بالإيجاب على مُجريات الأمور. وأرى أنه في العموم، توجد أساسيات علينا العمل عليها، ثم قد تنبثق منها فروعٌ أخرى تناسب كل شخص:

- جهاد النفس، والسيطرة عليها. التوبة إلى الله وترك معصيته. عهد جديد مع الله سبحانه وتعالى.
- الالتزام بصحبة القرءان الكريم وتدبُر آياته والحرص على تطبيقها عمليًا.
- الالتزام بالدعاء وعدم تركه. واليقين بالله.
- التعلُم. تعلُم الدين. وتعلُم ما ينفع من العلوم، والسهر على ذلك. وأن ينظر كل إنسانٍ في نفسه، فيعرف أين سيكون تأثيره أكثر فعالية، وبذلك يعرف في أي مجال سيبدأ. وعليه أن يبذل وقتا كافيا ليدرس بعناية كيف سيؤثر عمله إيجابا في واقع الأمة، ومن ثم يضع الخطة لذلك، ويختار الصحبة التي سيعمل معها لتحقيق هذا الهدف السامي، ثم يتوكل على الله أو ينضم لمجموعةٍ يراها تعمل بجِد في هذا الاتجاه فيستعين بها ويستعينون به على إتمام ما يروْنه مؤثرًا إيجابًا في رفع البلاء عن الأمة، ثم يتوكل على الله. المجالات التي يمكنك التأثير بها متنوعة وكثيرة.. انظُر في الثغرات التي تؤتى منها الأمة واعمل على حمايتها. وهي كثيرة الآن وتحتاج من يعمل بجد.


---

قال الله: "يا أيها الذين ءامنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون". آل عمران.

وقال الله: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة". الأنفال.

تأمل مع نفسك دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: في الترمذي بإسناد صحيح: "اللهم أعز الإسلام بأحب هذيْنِ الرجليْنِ إليك بأبي جهلٍ أو بعمر بن الخطاب، قال: وكان أحبهما إليه عمر".

لماذا لا ترجو من الله أن يُعز الإسلام بك؟

الثلاثاء، سبتمبر 06، 2016

سبحان الله..!

 
قطعة لحمة صغيرة بقدر ما يمضغ الإنسان تنمو ويُشق لها عينان وأذنان وأنف، وينمو لها يدان وقدمان. قلبه ينبض ويضخ الدم لبقية جسده، يولَد فيبكي. من أبكاه؟ من أضحكه؟ من أين أتت له مشاعر الحب والكره؟ ومشاعر الإعجاب وحب اللهو واللعب؟ كيف لقطعة اللحم هذه أن تنمو فتكون بهذا الشكل المقبول للنفس؟ ومن أين للنفس أن تقبل أشكالا وترفض أخرى؟

سماءٌ عظيمة، تنظر إليها بعينك فلا تجد آخرها.. من رفعها هكذا بغير عمد؟ من أين لها بهذا الجمال؟ من جعل النفس تصفو وترتاح حين تنظر إليها صباحا أو مساءً؟ كيف ترتاح النفس لرؤية بخار الماء فيها فتستمتع بملاحقة تحركه مع الريح؟ كيف لهذه الريح أن تتحرك من مكان إلى مكان حاملةً في جعبتها هذا الرزق من المطر والخير للناس؟

بذرة صغيرة إن رأيتها على الأرض الصلبة أهملتها، إن وُضِعت في تربةٍ صارت شجرةً عظيمة، كيف صار هذا الإعجاز؟ بها خشب جامد وبها أوراق خضراء رقيقة؟ تُسقى بالماء على خِلقته هكذا.. فهذه تطرح برتقالا وتلك تطرح موزًا، والماء واحد.

لماذا تأتي الشمس وتذهب؟ من أتى بها ومن ذهب بها؟ لا تخلف ميعادها أبدًا. الصباح نور للخلق، والليل عتمة وسكنٌ لهم. عجيب!

من الذي جعل ظلَّ المرءِ ملازمًا له هكذا؟

سبحانك يا الله، ءامنت بك وحدك خالقًا لهذا كله.

الأربعاء، يوليو 27، 2016

الواقع والأمل!

تنبيه!

---

بالورقة والقلم، وبكافة الحسابات الأرضية التي يمكن للمرء أن يحسبها، فإنه كفى بالواقع المصريّ متحدثًا عن نفسه فيما يخص اليأس والأمل. تعليمٌ في الحضيضِ، وصحة في الحضيض، وفسادٌ إداري ومالي منتشر في البلاد على كل المستويات، ثقافة هابطة، يتحكم العدو في مقدرات أمتنا وليس لنا إلا أن ننصاع، مُكبَّلين باتفاقياتٍ جائرة، ويتولى أمر بلادنا منذ عقود سفهاء لا يجيدون إلا الحلول الأمنية الغشيمة الغليظة التي لا تهدف إلا لتمكين أنفسهم من كرسيّ الحكم. خيانة للشعب على مدار عقودٍ طويلة حوَّلته من شعب أبيّ يقاوم الاحتلال الطغيان على مدار التاريخ إلى أمة جاثية للعدو لا تملك غير ذلك - وبكل أسف - لا يشغل بالها إلا تأمين مأكلها ومشربها وعيشها في الدنيا.

فمع كل ما سبق، ترى أن أي عمل إصلاحيّ يهدف لدحرِ كل هذا الظلام يصبح مستحيلَ النجاح، فإن نجح على المستوى الشعبي ولاقى قبولًا، كُبِت من السلطان إذ يخشى أن يكونَ لهذا العمل تهديد لكيانه، وإن كان متفقا مع رؤية الدولة، تراه ممسوخًا قد نُزِعَ منه ما يجعله مؤثرًا بحق.

والوقفة هنا:

أنه، إن كنت تظن أن عملك هو ما يؤثر حقا.. فالمخدوع أنت! وإن كنت تعمل لترى نتاج عملك خالصا، بعيدًا عن معية الله سبحانه وتعالى فأنت مغرور! وإن كنت تظن أن النتيجة هي المدار، فأنت جاهلٌ بالحقيقة! كم من مؤمنين كِرام ماتوا أو قتلوا قبل أن يروْا للإسلام عزًا؟! وأقول مؤمنين، لا أضرب المثلَ بالأنبياء والرسل حتى لا تقول هؤلاء مُرسلون من الله، شأننا غير شأنهم.

معروفٌ أن الإنسان يحب أن يرى نتاج ما يفعله في هذه الدنيا، ولكننا خلقنا لنجاهدَ أنفسنا. فنعمل ونجتهد فإما أن يرينا الله سبحانه وتعالى ما نحب من نصرٍ في الدنيا أو لا يريد ذلك، شأنه هو لا شأنك أنت، أنت تعمل، وتجتهد، وتدعو الله أن يمُنَّ علينا بالفرج والنصر القريب، ويكون كل وُجدانِك معك وأن تدعو، تدعو بحق، وتتمنى من الله ذلك فعلًا، كوْن هذه الأمنية تحصل أو لا تحصل فإن هذا أمرٌ آخر. فعليك أن تتثبَّت: بدعاء الله، وبالأخذ بالأسباب كتعلمِ العلمِ وصحبةِ الصالحين وغيره.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" ~ آل عِمران.

"عن ابي عبد الله خبّاب بن الأرَت رضي الله عنه قال : شكونا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم و هو متوسد بُردَة له في ظل الكعبة، فقلنا : ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟

فقال صلى الله عليه وسلم : قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل ، فيُحفرُ له في الارض ، فيُجعل فيها ، ثُم يؤتى بالمنشار، فيوضع على رأسه ، فيُجعل نصفين ، و يُمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه !! ، والله! ليتمن الله هذا الأمرُ، حتى يسير الراكب من صنعاء الي حضرموت لا يخاف إلا الله و الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون".


تعليق: نحن الآن لا نصبر حين لا نجد وقودًا يسيِّر مركباتنا!! والواحد منا قد يغتم إذا لم يجد متاعه متاحًا في يومٍ من الأيام! أصحاب النبي كانوا يُعذبون على يد الكفار، وحين شكوْه أن يستنصرَ لهم وأن يدعو لهم قال لهم هذا القول البليغ، وأنهم بذلك يستعجلون! فانظر رحمك الله!!! وكيف ترى حال هؤلاء القوم؟ هل ترى ظروفهم وقتها كانت تُبشر بأي نصر؟ أي فرجٍ قريب؟ قومٌ مُستضعفون يعذَّبون بأصناف العذاب كلها، لا معهم مال ولا سلطان، ولكنهم كانوا يجتهدون ويأخذون بالأسباب كلها، للوحي الإلهيّ متبعون. إنما علينا الاقتداء بهؤلاء، لا بمن يهرب ويثبِّط فينا الأمل ويزكي فينا اليأس!



الأحد، يونيو 26، 2016

رسائل - (6)

يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله، والله هو الغني الحميد..
إن يشأ يذهبكم ويأتِ بخلقٍ جديد،
وما ذلك على الله بعزيز. ~ سورة فاطِر.

---

قد يظن الإنسان أن سر السعادة والرضا لديه أن يستشعر أن بيده مقاليد أموره كلها، فلا يطمئن قلبه إلا وإحساس السيطرة على مجريات حياته حاصل، فتراه يصع لنفسه هدفًا ليلهث وراءه ظنًا منه أنه بالوصول إليه ستسقر نفسه وتسعد، فقد يكون هذا الهدف رصيدًا كبيرًا في البنك، أو زواج عياله، أو منصب كبير له نفوذ على الخلق.. 

ولكن الحقيقة أنه سيظل يلهث ويلهث وراء هذه الأهداف التي صنعها لنفسه، ولن يهدأ باله حتى يموت، وقتها سيعرف يقينًا أنه أضاع حياته فيما لا طائل من ورائه لآخرته،وسيرى وقتها الأمور بموازينها الحقيقية، لا غبار عليها.. "فبصرُك اليوم حديد".

يغوص في هذه الدنيا لأنه يعتقد كذبًا وافتراءً أو وهمًا، أنه يحتاج لنفسه، أنه هو القوة المحركة لمصيره، غير أن الحقيقة خلاف ذلك تمامًا، فإن الفاعل الأوحد لكل شئ في الأكوان كلها هو الله سبحانه وتعالى، وكل موجود في هذا الكون هو مفتقرٌ إلى الله جل وعلا في كل لحظة، نعيش في هذه الدنيا به سبحانه وتعالى لا بفطنتنا أو بجهودنا أو بكفاحنا في هذه الحياة.

إن الله هو الغني، وحده يتفرد بهذه الصفة على إطلاقها، أما نحن فكلنا فقراء له، وإن اتصف بعضنا بالغنى فهو نسبة لغيره، أما بالنسبة لله فكلنا فقراء إليه، لا نستغنى عنه أبدًا، لا يدخل إلينا نفسٌ أو يخرج إلا بأمره، لا ينبض قلب أحدُنا إلا بإذنه، له مقاليد الأمور، هو الغني الحميد.

لا يجب عليه شئ، إن شاء أذهبنا وأتى بخلق جديد يسبحون بحمده ويشكرون له، وما أيسر ذلك على الله. فعلينا أن ننتبه لهذه الحقيقة، ويُسلم أمره لمالك الملك، وقتها يمُن الله عليه بلذة الطاعة، فإذا ما ارتقى العبد في الطاعة العبودية لله، لعل الله يمُن عليه من أنوار حكمته فيعلمه من خبايا الأمور وحكمتها ما لا يعلمه غيره من عوام الناس. 

الخميس، يونيو 23، 2016

رسائل - (5)

تخيل لو أنك كنت تعيش في الوقت الذي أُسريَ برسول الله صلى الله عليه وسلم لبيت المقدس، وكنت حديثَ الإسلام حينها.. وقد جاءَ الخبر ممن ءامنت به أنه أُسريَ به لبيت المقدس ثم عرجَ إلى السماء، وأنه لاقى أنبياء الله ورسلهم وصلى بهم إمامًا.. تخيل الموقف نفسه بتفاصيله، بكلام المنافقين وقتها وتشكيكهم في صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ترى في أي فصيلٍ كنت ستكون حينها؟ 

حين عُرض الأمر على سيدنا أبي بكر الصديق، ما كان منه إلا أن قال مقولته المشهورة: إن كان قال، فقد صدق. ترى أن العقل وحده لا يمكنه تصديق هذا الأمر لأنه بحكم العادة لا يُتصوَّر أن يُسرى بأحد من الحجاز لبيت المقدس في ليلة، ثم يُعرج به إلى السماء. ولكنه علَّل تصديقه للأمر بشئٍ أكبر من هذا، فهو يصدقه في خبر السماء يأتيه من بينهم، فانظر رجاحة عقل الصديق رضي الله عنه.

وأنت حين تتأمل في الأمر، ترى أنك مؤمن بالله وحده، وبكتابه الذي نزله على نبيه من فوق سبع سموات، وتؤمن بأن هذه الدنيا فانية وأن القيامة حق وأن الملائكة حق وأن الجنة حق وأن النار حق، ولكن حين تُعرض عليك حادثة مثل حادثة الإسراء والمعراج تتفكر في واقعيتها وتقيسها بميزان العادة الذي اعتدته أنت، وهنا يأتي فساد القياس لديك.

الله سبحانه وتعالى الذي خلق الخلق، وأوجد كل شئ من العدم، فخلق الملائكة والجان والأكوان والأرض والكواكب والشمس والقمر والنجوم، وسخر لنا الدواب في شتى بقاع الأرض ورفع هذه السماء بغير عمدٍ، قادرٌ على أن يسريَ برسوله إلى بيت المقدس في ليلة، وأن يعرج به إلى السماء، وأن يفعل ما هو أكبر من ذلك بكُن فيكون.

فالحمد لله على نعمة الإيمان به ونسأله تعالى أن يتوفانا على التوحيد برحمته إنه وليُ ذلك والقادر عليه.

الأربعاء، يونيو 22، 2016

رسائل - (4)

يقول الله تبارك وتعالى في سورة الحج:

إن الله يدافع عن الذين ءامنوا * إن الله لا يحب كل خوانٍ كفور.

فإذا كان الله تبارك وتعالى وهو المُنزه عن السهو والخطأ واللغو، جل في علاه، يقول أنه يدافع عن الذين ءامنوا، فما يمنعك من فعل ما أمرك به في دنياك الفانية هذه؟! كيف تقيس الأمور أيها المسكين؟!

ليس عليك رزقك، ولا مصيرك، وإنما الرزاق هو الله، فما يلهيك عن المُضي قدُمًا فيما استعمرك الله إلا حب الدنيا واللهث وراء زيفها. إلا كونك مخدوع بتفاصيلها الزاهية التي تسحبك لدوامتها، فإن انسحبت فيها فلا أنت مُستخدم لدين الله كما أمرك ولا أنت من زمرة الناجين.

إن الله لا يحب كل خوانٍ كفور

نعم، ذاك الذي ينقض العهد كلما أخذه مع الله، ويكفر بالنعمِ التي أنعمها الله عليه. أما المؤمن، هو هذا الذي أخذ العهد مع الله ومضى إلى حيث أمره فالتزم.

يا مسكين، لا تجعل الدنيا والناس ورضا الناس غاية همِّك، فتلك تجارةٌ خاسرة. إنما اجعل وجهتك هي الله تعالى، هو نعم المولى ونعم النصير.

الأحد، مايو 08، 2016

رسائل - (3)



كيف يمُنٌّ الله عليك بنعمة الإسلام والقرءان، ثم أنت تهمل قراءة وفهم كتابه الكريم فتعيش في هذه الدنيا شأنك شأن أدنى مخلوقات الله بل أضل. في يدك كتاب الله، فيه آياته المحكمات، التي ما ترك فيها سبحانه وتعالى شأنًا في نفسك إلا وقال فيه القول الفصل، ثم أنت تهمله، وحين تقرأه، تقرأ كأنك تقرأ ترانيم لا تعي منها شيئًا.. ستُسأل عنهُ إذ أقيمت عليك الحُجَّة فادَّعيت وقتها بالجهل، والحق أنك إن أردت أن تتعلم ستتعلم، وإن كانت حجتك الداحضة عليك تقول أنه لم يكن لديك الوقت الكافي لتقرأ وتفهم مراد الله منك في هذه الدنيا، فكان أولى بك أن تترك ما يشغلك عن ذكرِ الله إلى ذكر الله وفهم واستيعاب مراده منك، والعمل بمقتضى ذلك.

الخميس، مايو 05، 2016

رسائل - (2)



إذا كان منتهى أملك أن تعيش في الدنيا مربوطًا في ساقية لقمة العيش، فأمثالك لا نصيب لهم في قيام الأمة، ولا يحق لك حينئذ أن تتباكى على الذل والهوان اللذين تعيش الأمة فيهما.

الأربعاء، مايو 04، 2016

رسائل - (1)


إن من يرضى لنفسه الذلَّ والهوانَ في هذه الدنيا بأن يكون مُستعمرًا من طواغيتها، لا يمكنه بأي حال من الأحوال ادعاء الحرية أو الدفاع عنها.

إن من يعرف نفسه تمام المعرفة، ويدري حاله في هذه الدنيا، أنه مُستعبد - وإن كانت صورة الاستعبادِ لطيفة أنيقة - ثم يدَّعي أمام الناس أنه هُمامٌ مغوارٌ قاهرٌ للطواغيت، وينصِّب نفسه على الناس حاكمًا وقاضيًا: هو من أشد الناس فقرًا وإن حَوَت جيوبُه الملايين، وأكثرهم خداعًا لنفسه وكذبًا عليها.

اصمت قليلًا، فكِّر كثيرًا، انظُر لحالِك، واسأل ربَّك أن تنجو، ثم اعمَل بما تراه يرضي الله في هذه الدنيا، واعلم أنها دنيا زائلة، طال عمرك ما طال، ستموت! فلا تضيِّع أُخْراك بدنياك أو دنيا غيرِك.

والسلام.